بداية النهاية ..

 

لقد وصلت لشيء مما كانت تطمح إلية .. ولكن ..

في عام 1424 هـــ قدمت تقاعد مبكر و استقالت من عملها بعد أن رفضت التدريس للبرمجة اللغوية وتخلت عن فكرة تحضير الدكتوراه ..

وقدمت تقاعد مبكر وهي في بداية الوصول لمراكز يبحث عنها الكثير ممن يملك الطموح .. وأغلقت على نفسها في بيتها لمدة ستة أشهر حاولت الانتقال بسكنها من الرياض إلى المنطقة الشرقية لمدة ثلاتة أشهر ثم عادت إلى الرياض مرة أخرى, وكانت تعتذر عن الحضور للمناسبات العائلية والاجتماعية , بأعذار مختلفة ..

وهي بداية النهاية ………………

في أواخر عام 1424 – 2003 ذهبت إلى الحج بعدها عادت إلى منزلنا منزل العائلة رغم أنها تملك منزل مع زوجها وأيضاً لديها خيار آخر لامتلاك منزل شخصي لها ..

عادت بشكل مختلف ليس كالذي عهدناها به , وبصورة غير صورتها , فقدت الكثير من وزنها , ورفضت الحديث مع الجميع ,,

( إننا نجهل ما تشعر به ) ..

ذُهلنا مما حدث سكنت في ملحق تابع للفيلا الأساسية عبارة عن 4 غرف وصالة ودورتين مياه وانسحبت من الحياة الاجتماعية ..

وتجردت حتى من أتفه الأشياء تبرعت بجميع ما تملك .. ملابسها .. مجوهراتها .. أثاثها ..

لم تحتفظ إلا بثلاث قطع من الملابس للمنزل فقط ..

وكأنها فعلا تستعد لتوديع الحياة !!

هناك سبب ؟؟

المنطق يقول ذلك .. ولكن ما تزال الأسباب غامضة جداً حتى منتهى الوجع !!!!!

تجردت من الحياة .. تخلت عن الدنيا .. رغم أنها في أوج تألقها وأجمل سنين عمرها ,

اعتزلت المجتمع واعتزلت جميع مظاهر الحياة .. اتخذت واحدة من الغرف مكتبة لها وغرفة نوم في نفس الوقت ..

كانت الغرفة بجوانبها الأربعة عبارة عن أرفف مليئة بالكتب القيمة والمميزة وأمهات الكتب وكانت تنام على مرتبة في زاوية

بين جنبات الكتب !!

بقيت في ذلك المكان تقرأ وتقرأ لا تخرج , ولا تحبذ أن تقابل أحد لمدة خمس سنوات

من شهر ذو الحجة 1424 هــ إلى شهر ذو الحجة 1429 هــ

(يبدو أنهٌ رغم عنها , أو ربما كانت لا تريد سماع الأسئلة ولا تريد النقاش )

ولكن رغم الوضع التي كانت تُعايشه كانت تملك ابتسامة جميلة كلما ذهبت لها في ذلك المكان تبتسم بسعادة !!

وهذا هو الحال مع بعض أخواتي التي كانت تستقبلهم لبعض الوقت تستقبلهم بابتسامة أيضاً !!

كنت أتعجب منها كيف تملك القدرة على التعايش ما بين العزلة والتخلي عن كل شيء بابتسامة الرضا !!

ربما أنها أرادت أن تثبت لنا أنها سعيدة ولا ينقصها شيئاً !! ..

و كيف لها أن تعرف طعم الضحك وشكل الابتسامة وهي فرضت على نفسها, أو ( ربما رغمً عنها ), نوع من العُزلة التامة …

يا رب كم كان كئيب جداً ذلك المكان الذي عزلت نفسها فيه سنوات ….


في خلال الخمس سنوات صرحت لأختي أ/ بدرية ولوالدتي أنها قد رأت عدة رؤى في المنام ليس

لها إلا تفسير واحد وهو اقتراب رحيلها عن الدنيا !

ولكن ………………..

( هل من السهولة أن يستسلم إنسان لرؤيا ويتقبلها بصدر رحب

, وإيمان كامل

, وهدوء منقطع النظير ؟

وهل هذا هو السبب ؟؟ ) ..

لم نجد بعد وفاتها أنها تملك إلا مجموعة من الكتب وجهاز الحاسب الآلي فقط ..

وهي من كانت في السابق تلبس من أغلى المجوهرات وأرقى الماركات العالمية ..

( ألا توافق نهايتها كنهاية أغلب الحكماء والمميزين في العالم أنهم رغم ثرواتهم

إلا أنهم غالباً ما يموتون مُعدمين لا يملكون حتى ثمن أكفانهم !! )

ربما هم من استيقنوا بالفعل أن الحياة لا تستحق جمع وادخار المال والاهتمام بمظاهرها وترفها ..

أنا أحترمها واحترم قراراتها لأبعد درجة لهذا لم أكن أخذ فكرة عُزلتُهَا محمل الجد ..

عندما اجلس معها كانت تقنعني بوجه نظرها .. أنها ملّت من الحياة المترفة وأنها تجد الراحة في أسلوب حياتها الجديد ,

وأن الدنيا لا تستحق منا كل هذا الاهتمام , وكانت تتحدث عن الجنة كثيراً وكل ما حدثتها عن شيء يعجبني

رددت في الجنة أجمل ,

كانت تقول دائماً أننا موعودون بجنةٍ حيث فيها كل المواعيد المُوجلةُ .. و أن الحياة عبارة عن قناعات ..

وتردّد هذهِ قناعاتي ..

.. قلتُ لها ذات مرّة …..

يقول الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين [ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ] * والحياة مازلت جميلة !

ردت علي بابتسامة وقالت أنا أخذت نصيبي !! ولا أرى أمامي إلا الجنة وغيرها لا يستحق العنا !!

( أنها تملك فكراً معينٍ بالتنازل عن كل شيء بهدوء وسكينة وابتسامة راضية , رغم المعاناة وانتظار المجهول )

أعتقد أنهُ ليس من السهل على البشر أن يستطيعوا الوصول إلى هذا الكمّ من الرضاء والإيمان بالتسليم بقضاء الله )

كنت أشعر في ذلك الوقت أنها فترة مؤقتة وأتهرب من مواجهتها لا أحب أن أراها بشكلها الجديد فقد كانت

أستاذتي وقدوتي الرائعة لا أتخيلها بهذه البساطة تتنازل ……… باختصارعن كل شيء ..

كنت انتظرها أن تعود للحياة بعد أن تشعر بالملل أو تتغير قناعتٌها .. ,

( ربما تُشفى مما هي فيه )

لم نكن نتوقع أن يغيبها الموت

جميعنا كُنا ننتظر شِفائها وعودتها ……………….

وانتظرتها .. وانتظرها زوجها ….. وانتظرها الجميع …………… لكنها لم تعود ..

كنت أتجنب مجرد التفكير في الموضوع عدا من بعض اللحظات …

عندما تخنقني أفكاري وخواطري على عتبة دماغي المُشوشة .. [ باسْتِفْهَامَاتْ ] ! …… ؟؟؟؟

هل تعاني من اكتئاب ؟؟..

هل ما تفعله رغم عنها ؟؟ ……… لهُ علاقة بقوى خفية !!

هل فعلاً حققت جميع ما تطمح إلية في الدنيا ؟ .. ( ولكن هل الطموح لهُ حد ؟ )

أم تكون ……. ؟  أو تكون … ؟

أم هي أرتقت فسمت وكفى !! ………………….

وفي النهاية كان هذا ما قدرهُ الله لها … لتظل ذكراها وجع لنا بحجم الحزن الذي غادرت به ..

لقد ظلت خمس سنوات تُعاني وتستقبلنا بابتسامة وهي في العزلة التامة…………..

( ومن يحتمل !! )


* سورة القصص 77

5 تعليقات على “بداية النهاية ..

  1. أمجــاد

    يارب اغفر لها وارحمها واسكنها مبتغاها ومبتغىانا الجنة بإذن الله
    وصلت هنا -صدفة- ولم أملك الا الاسترسال في قراءة شواردك وتفكيرك فعلا عزلتها غريبة ورحيلها مفجع .
    رحمنا والله وإياها وجميع المسلمين

    رد
  2. أسامة

    الله يغفر لها و يرحمها … و لا داعي للبحث أكثر عن سبب عزلتها و موتها فقد آلت إلى مولاها عز و جل و هو أرحم الراحمين ….

    رد
    1. منال الغانم كاتب المقال

      اللهم آمين غفر الله لنا ولهم وجميع موتى المسلمين …

      أخي الفاضل أسامة … في البداية كان من الصعب أن نغفل الكثير والكثير من الأسئلة بقدر الألم المفاجئ , بقدر ما تتلهف على البحث بين أسرار … ولكن مع مرور الأيام ربما تستيقن نوعاً ما أنهٌ ليس هناك أقل أجابة فقد آلت إلى مولاها كما ذكرت .. وفي النهاية كان ما قدر الله له أن يكون …

      أشكر مرورك دمت بود ..

      رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *