ليلة النهاية ..



تلقيت خبر وفاتها كنت أمشي مذهولة من هول ما وصلني لم استسيغ حتى تصديق الخبر ولم أجرب إحساس الفقد بهذا الحجم من الوجع !!

ولم أكن اعلم شيء عن الموت إلا اسمه قبل تلك اللحظة ..

كان منظر منزلنا مختلف حين أقبلت علية .. شعرت أن الحجارة لو تنطق لصرخت حزناً .. وبكت كمداً .. من هول الفاجعة التي حلت علية .. فراقك صعباً يا أختي مزنة … تأملت بابها البائس المطل على الشارع تساءلت للحظات يائسة..

( هي لا تحب أن تخرج ربما ما زالت في الداخل !! )

 

حتماً كان صباح يوم الثلاثاء حزين مختلف عن أي صباح ..

دخلت ………….

حاولت إقناع نفسي بتصديق الخبر !! ..

ذهبت بعد عدد من الساعات لمكانها الذي ودعت فيه الحياة .. وقفت أنظر إلى جوانب المكان

الملأى بالغياب , أشتم رائحتها مع رائحة الخبر ورائحة الفحم ..

كالفاقدةُ للوعي وصورتها تغزو عقلي المشوش .. ستختفي إلى الأبد ….

وسيختفي صوتها إلى الأبد ………

نسيت كل شي حتى الدموع ..

بعد ساعات كانت بالأصل لحظات أو ساعات بالفعل لا أذكر !! ..

تأكدت أن كل شيء أصبح حقيقياً ….

غادرت أختي الدنيا إلى الأبد …

غيبها الموت ورحلت ومعها سرها ..

رحلت وأنا ما زلت أنتظرها تعود للحياة بعد عُزلتها ..

رحلت وأنا ما زلت أشتاق لها .. لم ينتهي حديثنا بعد .. أين أنتي ؟

رحلت بعد خمس سنين من العُزلة ..

رحلت وها هي الذكريات تغزوني من كل مكان ..

أنتي من لقنني أبجديات الحياة من يفهمني بعدك ؟..

 

كانت ليلة شتاء قارس يوم الاثنين في تاريخ 17-12-1429هـ آواخر سنة 2008 أعدت لها

شراب الزنجبيل وأخذت حماماً دافئاً وجلست على مرتبتها اليتيمة بين الكتب لتقرأ كان

الجو بارداً جداً أذكر تلك الليلة جيداً ببرودتها الشديدة .. أشعلت الفحم للتدفئة في غرفة

مكتبتها الحزينة (ومعه أشعلت قلوبنا كمداً )..

ولم تتحرك بعدها ماتت (انكتمت) من الجمر خنق جهازها التنفسي أول أكسيد الكربون

الذي يتنفسه هذا الجمر الكئيب ..

كُتب في شهادة الوفاة انهُ توقف التنفسِ يوم الإثنين عندَ الساعة 8:45 مساءً ….

رحلت بصمت ………..

بعد خمس ساعات على الرحيل وعند الساعة الثانية صباحاً  دخل عليها فارس

ابنها الكبير ووجدها ممددة على المرتبة , فشلت جميع المحاولات لإنقاذها

وإعادة التنفس فقد فات وقت طويل …..

وقد سقط منها كتاب كانت تقرأ فيه ( مقتطفات من رياحين الذات , لـ مريم العطافي)

وبقربها كأساً من الزنجبيل

وقد احتست نصفه وبقي النصف الآخر في انتظارها , ولم يُمهلها هذا الفحم حتى

لإكمال كأسها وصفحات كتابها الأخير

ورائحة الفحم تفوح من كل أرجاء المكان ………..


وجدنا قصاصة من الورق مثبتة فوق مكتبها الحزين كتبت عليها بخط يدها ..

(( لقد حلمت وأنا أتجول في الطريق , إن الشتاء القارس تغير فجأة وصار ربيعاً ))


ربما كان هذا تفسير الحلم ……………………



و أزفت ساعة الرحيل ….

في مغسلة الموتى – جامع الراجحي الدائري الشرقي في الرياض – رائحة الكافور تغزو المكان ( أنها رائحة الموت ) الكافور أبعد العطور عن الابتسامات والفرح ..

لم أكن أجد الدموع من الذهول وهل الدموع كافية للتعبير عن حجم الحزن والوجع وألم الفقد وعدم التصديق مزيج من المشاعر المُوجعة .. أصبحت الآن بعيدة حسب التاريخ المكتوب في هذا اليوم 12/18/ 1429هـ .. الموت هو سيد الأزمنة ……

بعد ما غسلوها أخواتي

وصديقتها المقربة منذ ما يقارب العشرين سنة (بدريه الداؤد ) حتى بداية سنوات العزلة .. فقد غابت عن الجميع ..

خمسُ سنوات من العزلة وهي لا تقابل إلا المقربين جداً .

دخلنا لنودعها في مغسلة الموتى وداعاً تملأهُ المرارة كان وجهها فيه ابتسامة راضية سعيدة مطمئنة لا أستطيع وصفها ..


كتب أخي الغالي على قلبي  د / إبراهيم عبد الله الغانم السماعيل قصيدة :


يقولــــــونَ   لمْ تـَرثِ الحبيبةَ مِثْلَـــــما                   رثيتَ لنا (عَمّاً) ! أخانا فمَا العــــــذرُ؟

وما مـــــــــــوتُ أختي هَيَّنٌ فأحيـــطُهُ                   بِشِــعْرٍ فَصيحٍ حينمـــا أعجم النَثــرُ

يقولونَ لمْ تَبكِ الحبيبةَ حينمــــــــــــــا                  طَواها الثرى مِنْ بعدِ ما صُلَّيَ العصْرُ

ومَنْ أبكِ عنْ لمْ أبكِ (  مــزنةُ  ) إننـي                  مُصابٌ بها مِنْ حينِ ما أشتعَلَ الجَمْرُ !

ومَنْ أبكِ عنْ لمْ أبكِ (  مزنةُ   ) إننــي                  فُجِعْتُ بها في الظُهْرِ فانقصمَ الظَهْرُ

بكيــتُ وأبــكي فَقْــــدَ أختـــــيِ وإنني                 لحـــوحٌ بِدَعْواتٍ يُظَلَّلــــــــــها السِتْرُ

بكيتُكِ في الأســــــــحارِ دعْوة صـادقٍ                 بها خـــــالطَ السّجَدَاتِ دَمْــعٌ لنا غَمْرُ

وإنّ فِــــــراقَ الأخــتِ مُــــرَّ مُصــــابُه                  وأنّى يُسَلّيـــــنا بالآمِنــــا الصَّــــــبْرُ

دَخَلنا    زُرافى    للوداعِ  بصَمْـــــــــتِنا                  وقدْ لُفَّ في الأكفانِ جِسْمُكِ والطُّهْرُ

رأيناكِ وَجْهاَ شعَّ نُوراً  و   بَسْمَـــــــــة                  كأنّكِ ’ لا بلْ أنــتِ يا أختَنا البَـــــــــدْرُ

وقبّلتُ مـــا بينَ العيــــــــونِ بِزَفْــــرَةٍ                  نُوَدَّعُ يا أختاهُ   و المُلْتَــقَى الحَـــشْرُ

بكيتُ علــى أخـتي   بعينٍ   غَزيــــرَةٍ                  بُكاءَ حَزينٍ ’ عِلمُهُ : المَوْعِدُ الَنّـــــشْرُ

وكمْ هَـلّتِ العَبَراتُ   يا  (  أمَّ فارسٍ  )                  لنــا   اللهُ   في   البَلْواءِ   إذ لُحَّدَ القَبرُ

(أمِزْنَةُ) إنْ أفْردتِ في دارِ وَحْشَـــــةٍ                  فإن   قبورَ   المُؤمنينَ لـــــــــهمْ  نورُ

نُعَزَّي  نُعَزَى  فيك يا      ( أم فارسٍ )                  و نسلو  قَليلاً   ثُمَّ    يُرْجِعُنا      الفِكرُ

(  أبا غانمٍ )  فُجّعتَ  فيــــها    حبيبةً                 شِعارُكَ  فيها  الدّمْعُ  و الحَمْدُ والشُكْرُ

(  أيا خالتي )  صبراً  فِـــراقَ ( بُنَيَّةٍ )                (  أَأمَّ سليمان  )     يُثّبَّتُكِ      الأجْـــــرُ

(أفارسُ ) إنْ فُجَّعْتَ أنت و  ( طارقٌ  )               ( مُهنّدُ )  ( عزّامٌ )   لـــــكمْ   ربُّنا   البَرُّ

سَتَبقَونَ في عينِ الجَميــــــعِ وسَمْعِهمْ             (أبوكم )  لكم  ظِلٌّ  و  (أخوالكمْ)  ذخرُ

فلا  ضاقتِ   الدّنيا  عليكمْ  أحــــــــــبّتي             و ( جَدٌّ)  لكمْ   إن  كانَ يُسْرٌ أو العُسْرُ

فيــا    ربّي   اكْرِمنا   برؤيةِ    أخـــــــتِنا              بِحيثُ النــــــعيمُ الخُلدُوالأنسُ والقَصْرُ

 

 

 

5 تعليقات على “ليلة النهاية ..

  1. بشائر

    الله يرحمها ويغفر لها والله قصتها غريبه ومبكيه
    الله يرحمها ويجعل قبرها ربيعا واسعا ويجعلها في فرودس عاليه
    حبيتها من سيرتها
    والله اعلم انها زهدت بالدنيا وانصدمت من شي قوي وانعزلت
    يعني انصدمت من الناس
    او اصابتها عين لانها مبدعه في اسلوبها وعلمها
    لاكن رحمها الله والهمكم الصبر والسلوان
    وموتانا والمسلمين

    رد
  2. أمجــاد

    بكيت وبكيت

    الفقد موجع جدا، مؤلم جدا، يارب ترحم احبتكم ولا تفجعنا فيمن نحب.

    أحسست بقلبك ، بألمك ، بشعورك لحظة تلقيك الخبر، وتفقدك لمكانها بعد وفاتها..رحمها الله، كلمات أخيك ومرثيته كمن يعصر القلب بقبضة وحدة .
    رحم الله موتانا وموتاكم ورزقنا واياهم الجنة .

    رد
    1. منال الغانم كاتب المقال

      اختي أمجاد ..

      اصبحت المدونة مؤلمة رغم أنني كنت أحاول جاهدة أن ابتعد عن الحزن والآلام بقدر المستطاع ..

      ولكن تظل هذه الحياة ..

      أستجاب الله لدعائك اللهم آمين .. ولكِ كل الشكر على مرورك وكلماتك

      .. وأتمنى تواجدك دائماً هُنا …

      دمتي بحفظ الرحمن …

      رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *